محمد بن جرير الطبري

79

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل شركاء المشركين من الآلهة والأَوثان لهم يوم القيامة ، إذ قال المشركون بالله لها : إياكم كنا نعبد ، كفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ؛ أي إنها تقول : حسبنا الله شاهدا بيننا وبينكم أيها المشركون ، فإنه قد علم أنا ما علمنا ما تقولون . إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ يقول : ما كنا عن عبادتكم إيانا دون الله إلا غافلين ، لا نشعر به ولا نعلم . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ قال : ذلك كل شيء يعبد من دون الله . حدثني المثني ، قال : ثني إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ قال : يقول ذلك كل شيء كان يعبد من دون الله . القول في تأويل قوله تعالى : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ اختلفت القراء في قراءة قوله : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ بالباء ، بمعنى : عند ذلك تختبر كل نفس بما قدمت من خير أو شر . وكان ممن يقرؤه ويتأوله كذلك مجاهد . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ قال : تختبر . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز : " تتلو كل نفس ما أسلفت " بالتاء . واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله ، فقال بعضهم : معناه وتأويله : هنالك تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا لذلك اليوم . وروي بنحو ذلك خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه وسند غير مرتضى أنه قال : " يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله يوم القيامة ، فيتبعونهم حتى يوردوهم النار " قال : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : هنالك تتلوا كل نفس ما أسلفت وقال بعضهم : بل معناه : تتلو كتاب حسناته وسيئاته ، يعني تقرأ ، كما قال جل ثناؤه : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً وقال آخرون : تبلو : تعاين . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ قال : ما عملت . تبلو : تعاينه . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء ، وهما متقاربتا المعنى ؛ وذلك أن من تبع في الآخرة ما أسلف من العمل في الدنيا ، هجم به على مورده ، فيخبر هنا لك ما أسلف من صالح أو سيئ في الدنيا ، وإن من خير من أسلف في الدنيا من أعماله في الآخرة ، فإنما يخبر بعد مصيره إلى حيث أحله ما قدم في الدنيا من علمه ، فهو في كلتا الحالتين متبع ما أسلف من عمله مختبر له ، فبأيتهما قرأ القارئ كما وصفنا فمصيب الصواب في ذلك . وأما قوله : وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ فإنه يقول : ورجع هؤلاء المشركون يومئذ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم الحق لا شك فيه دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأَنداد . وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يقول : وبطل عنهم ما كانوا يتخرصون من الفرية والكذب على الله بدعواهم أوثانهم أنها لله شركاء ، وأنها تقربهم منه زلفى . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا